تنويه: كل تشابه في الأحداث أو التواريخ أو الأسماء بين هذه الأقصوصات
والواقع المعيش التونسي هو مقصود ومتعمد، وكل سياسي يعتقد أنه معني بهذه
الحكايات ما عليه إلا أن "يبلعها ويسكت". والسلام. س.ش
الحلقة الأولى
خرج من قبة المجلس التأسيسي مهرولا ومفزوعا لا يعبأ بتواجد حرس المراقبة أمام البوابة الرئيسة للمجلس. التفت على يمينه وعيناه تحملقان بين أعضاء المجلس التأسيسي الذين يتوافدون فرادى وجماعات. اتجه نحو أحدهم وكان في لباس أنيق ويحمل بين يديه ومحفظة ويهم بولوج الباب.
التفت اليه دون تحية وسأله: "شفت محرزية؟" تعجب من هذا السؤال الذي سيق له بشكل فظ وغليظ. وأجابه: "شبيك سي القصاص؟ ماهو قول صباح الخير، صباح الفل، صباح الظلف على الأقل؟ راك مزلت كي رجعت للتأسيسي وانتي كانت غايب عليه عندك مدة؟".
لم يفهم صاحبنا وهو لم يع علاقة الاجابة بالسؤال الذي طرحه. وغمغم بكلام غير مفهموم وأعاد عليه طارحا نفس السؤال متعجلا الرد، فأجابه النائب ذا الهندام الأنيق قائلا: "ما نعرفش، ماخدمتش سكريتير عندها قبل"، ودلف متوجها إلى داخل المجلس التأسيسي.
برزت علامات التأفف على وجه صاحبنا الذي لم يستسغ أسلوب التعالي الذي تعامل به معه النائب الأنيق، ثم قصد مجموعة من النائبات المتحجبات كن يتهامسن فيما بينهن. استغل عندم انتباههن لقدومه واسترق السمع لعله يظفر بخبر معرفة مكات تواجد محرزية.
أخفت احدى المتحجبات باصبعها قليل من الشعر خرج من تحت حجابها وقالت لزميلاتها: "مانحكيلكمش على الوطيّة متاع عرسي كيفاش مالى باش تكون؟ باش نعملها في الوسطية متاع دارنا في الفيرمة، وكان نقوللكم قداش باش نصرف عليها، ماتصدقوش !". ظهرت اللهفة على عيون بقية النائبات المتحجبة للتعرف على مبلغ تكلفة "الوطية"، حتى أنهم لم ينتبهوا بعد إلى اقتراب صاحبنا النائب إليهم وهو الذي أصبح أكثر اهتماما بالموضوع منهن. وعادت المتحجبة الى الكلام قائلة بعد أن لم تتحصل على أية اجابة وقالت "الوطية بركة باش نصرف عليها..." وحركت رأسها فجأة، لتنتبه إلى تواجد صاحبنا النائب، وتوجهت إليه بالحديث والتعجب باديا على ملامح وجهها: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شنحوالك سي القصاص؟ لاباس ماهو؟" .
لم يبد صاحبنا النائب أي تأثر بالموقف الغريب الذي وجد نفسه فيه. فرفع رأسه عاليا وكأنه لا تعنيه مثل تلك القصص والمواضيع وأجاب:" وعليك السلام. شفتوش محرزية؟ سامحوني. للة محرزية. حاشتي بيه مؤكد". وفي غاضب باديا على وجهه لتطفل صاحبنا النائب لحديثنا أجابت متحجبة ثانية قائلة: "مدام محرزية تلقهى في المكتب متاعها. وكان مالقيتهاش غادي أطلبها على تلفونها".
لم يستسغ صاحبنا النائب هذا الرد الذي بدا أن اصبحته تتعامل مع طفل صغير في المدرسة، ولم يستطع كتم غيضه وقال: "وشبيكم؟ كان لقيتها في البيرو متاعها نجي نسئلكم أنا؟ ! هيا السلام عليكم". ثم ترك النائبات المتحجبات وأدار بظهره تجاههن دون أن ينتظر منهن رد التحية.
لم يفارق بوابة المجلس التأسيسي التي لم تكف الآلة الكاشفة عن الأدوات الصلبة عن الصفير كلما مر تحت شخص. فرك يديه بقوة ولف على عباءة رأسه، وهو يفكر في قرار نفسه. لم يحس سابقا بما يحس به الآن. إنه لوضع كارثي ولا يمكن السكوت عنه.
لاحظ أعوان المراقبة الجالسين قرب البوابة حالة القلق التي أصابت صاحبنا النائب، فتشجع أحدهم لسؤاله عن سبب ضجره. وقال له بصوت خافت: "صباح الخير سي القصاص. شنحوالك؟ لاباس عليك ماهو". وبسرعة بالغة ودون تعقل أجابه صارخا:" شبيك؟ أش تحب؟ لاباس لاباس. برى اخدم على روحك".
اصدم عون المراقبة الذي انزعج من أسلوب تعامل صاحبنا النائب معه، وعاد إلى مكانه متأففا ولاعنا ذلك اليوم الذي جعله يعمل في تلك المهمة لحماية نائب لا يحترم الآخرين. وقبل أن يصل إلى مكانه ناداه صاحبنا النائب موجها إليه الكلام قائلا: "اسمع. شفتش محرزية؟ نائبة مصطفى". ودون اكتراث برد الفعل التي قد تبدر من صاحبنا النائب أجابه دون أن يلتفت إليه وقال: "شوفها في البيرو متاعها".
زاد حنق صاحبنا النائب الذي فقد ملكة الصبر ولم يعد يحتمل ضغط الوقت. وأمسك وجهه بيديه مستعيذا بالشيطان، وبمجرد أن رفع رأسه مرة أخرى لمح نائبة متحجبة تلج من الباب الفرعي المخصص للنواب، فحدق مليا في وجهها وبدأت تنشرح ملامح وجهه، فانطلق يسرع الخطى نحوها صائحا "ها محرزية. سامحني.. للة محرزية.. يا مدام". انتبهت النائبة المتحجبة إلى قدومه وعند وصوله إليها ابتسمت كعادتها وأجابت "أنعم سي القصاص. صباح الخير. لاباس عليكم؟". لم يجب القصاص على تحيتها وقال: "ماقالولكش في الادارة. راهي مصيبة. مصيبة زرقاء. راهي عملة كلبة ما لقيتلهاش حل هبطت علية كالسخطة على الصبح. راني ضبعت وخيوط مخي دخلو بعضهم".
فاندهشت النائبة المتحجبة وفزعت واعتقدت أن صاحبنا النائب تعرض لمحاولة قتل أو شيء من ذلك القبيل. فسألته وعلى صوتها ملامح الخوف: "لاباس يا سي القصاص؟ أش صار؟ قول بربي؟ فجعتني عليك..." ودون أن يتركها تنهي كلامها اتلفت بسرعة يمينا وشمالا حتى يتأكد من عدم تواجد أي شخص آخر يجاورهما وقال لها "ها محرزية وخيتي.. تيم اهو خرجوني من الأوتيل اللي ساكنين فيهم، وقالولنا أنو مصطفى معادش يدفعلهم في الكراء متاع الشنابر. توة يعجبيك هكة؟ انا اللي جاي من طرف الدنيا باش نبات في الشارع؟ قولليهم بجاه حنانة يخلصوهم خليني نرجع دبشي مطيش في الشارع"؟
فانهدشت النائبة المتحجبة. وسقط جميع المشاهدين يجهشون بالبكاء.
الحلقة الأولى
خرج من قبة المجلس التأسيسي مهرولا ومفزوعا لا يعبأ بتواجد حرس المراقبة أمام البوابة الرئيسة للمجلس. التفت على يمينه وعيناه تحملقان بين أعضاء المجلس التأسيسي الذين يتوافدون فرادى وجماعات. اتجه نحو أحدهم وكان في لباس أنيق ويحمل بين يديه ومحفظة ويهم بولوج الباب.
التفت اليه دون تحية وسأله: "شفت محرزية؟" تعجب من هذا السؤال الذي سيق له بشكل فظ وغليظ. وأجابه: "شبيك سي القصاص؟ ماهو قول صباح الخير، صباح الفل، صباح الظلف على الأقل؟ راك مزلت كي رجعت للتأسيسي وانتي كانت غايب عليه عندك مدة؟".
لم يفهم صاحبنا وهو لم يع علاقة الاجابة بالسؤال الذي طرحه. وغمغم بكلام غير مفهموم وأعاد عليه طارحا نفس السؤال متعجلا الرد، فأجابه النائب ذا الهندام الأنيق قائلا: "ما نعرفش، ماخدمتش سكريتير عندها قبل"، ودلف متوجها إلى داخل المجلس التأسيسي.
برزت علامات التأفف على وجه صاحبنا الذي لم يستسغ أسلوب التعالي الذي تعامل به معه النائب الأنيق، ثم قصد مجموعة من النائبات المتحجبات كن يتهامسن فيما بينهن. استغل عندم انتباههن لقدومه واسترق السمع لعله يظفر بخبر معرفة مكات تواجد محرزية.
أخفت احدى المتحجبات باصبعها قليل من الشعر خرج من تحت حجابها وقالت لزميلاتها: "مانحكيلكمش على الوطيّة متاع عرسي كيفاش مالى باش تكون؟ باش نعملها في الوسطية متاع دارنا في الفيرمة، وكان نقوللكم قداش باش نصرف عليها، ماتصدقوش !". ظهرت اللهفة على عيون بقية النائبات المتحجبة للتعرف على مبلغ تكلفة "الوطية"، حتى أنهم لم ينتبهوا بعد إلى اقتراب صاحبنا النائب إليهم وهو الذي أصبح أكثر اهتماما بالموضوع منهن. وعادت المتحجبة الى الكلام قائلة بعد أن لم تتحصل على أية اجابة وقالت "الوطية بركة باش نصرف عليها..." وحركت رأسها فجأة، لتنتبه إلى تواجد صاحبنا النائب، وتوجهت إليه بالحديث والتعجب باديا على ملامح وجهها: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شنحوالك سي القصاص؟ لاباس ماهو؟" .
لم يبد صاحبنا النائب أي تأثر بالموقف الغريب الذي وجد نفسه فيه. فرفع رأسه عاليا وكأنه لا تعنيه مثل تلك القصص والمواضيع وأجاب:" وعليك السلام. شفتوش محرزية؟ سامحوني. للة محرزية. حاشتي بيه مؤكد". وفي غاضب باديا على وجهه لتطفل صاحبنا النائب لحديثنا أجابت متحجبة ثانية قائلة: "مدام محرزية تلقهى في المكتب متاعها. وكان مالقيتهاش غادي أطلبها على تلفونها".
لم يستسغ صاحبنا النائب هذا الرد الذي بدا أن اصبحته تتعامل مع طفل صغير في المدرسة، ولم يستطع كتم غيضه وقال: "وشبيكم؟ كان لقيتها في البيرو متاعها نجي نسئلكم أنا؟ ! هيا السلام عليكم". ثم ترك النائبات المتحجبات وأدار بظهره تجاههن دون أن ينتظر منهن رد التحية.
لم يفارق بوابة المجلس التأسيسي التي لم تكف الآلة الكاشفة عن الأدوات الصلبة عن الصفير كلما مر تحت شخص. فرك يديه بقوة ولف على عباءة رأسه، وهو يفكر في قرار نفسه. لم يحس سابقا بما يحس به الآن. إنه لوضع كارثي ولا يمكن السكوت عنه.
لاحظ أعوان المراقبة الجالسين قرب البوابة حالة القلق التي أصابت صاحبنا النائب، فتشجع أحدهم لسؤاله عن سبب ضجره. وقال له بصوت خافت: "صباح الخير سي القصاص. شنحوالك؟ لاباس عليك ماهو". وبسرعة بالغة ودون تعقل أجابه صارخا:" شبيك؟ أش تحب؟ لاباس لاباس. برى اخدم على روحك".
اصدم عون المراقبة الذي انزعج من أسلوب تعامل صاحبنا النائب معه، وعاد إلى مكانه متأففا ولاعنا ذلك اليوم الذي جعله يعمل في تلك المهمة لحماية نائب لا يحترم الآخرين. وقبل أن يصل إلى مكانه ناداه صاحبنا النائب موجها إليه الكلام قائلا: "اسمع. شفتش محرزية؟ نائبة مصطفى". ودون اكتراث برد الفعل التي قد تبدر من صاحبنا النائب أجابه دون أن يلتفت إليه وقال: "شوفها في البيرو متاعها".
زاد حنق صاحبنا النائب الذي فقد ملكة الصبر ولم يعد يحتمل ضغط الوقت. وأمسك وجهه بيديه مستعيذا بالشيطان، وبمجرد أن رفع رأسه مرة أخرى لمح نائبة متحجبة تلج من الباب الفرعي المخصص للنواب، فحدق مليا في وجهها وبدأت تنشرح ملامح وجهه، فانطلق يسرع الخطى نحوها صائحا "ها محرزية. سامحني.. للة محرزية.. يا مدام". انتبهت النائبة المتحجبة إلى قدومه وعند وصوله إليها ابتسمت كعادتها وأجابت "أنعم سي القصاص. صباح الخير. لاباس عليكم؟". لم يجب القصاص على تحيتها وقال: "ماقالولكش في الادارة. راهي مصيبة. مصيبة زرقاء. راهي عملة كلبة ما لقيتلهاش حل هبطت علية كالسخطة على الصبح. راني ضبعت وخيوط مخي دخلو بعضهم".
فاندهشت النائبة المتحجبة وفزعت واعتقدت أن صاحبنا النائب تعرض لمحاولة قتل أو شيء من ذلك القبيل. فسألته وعلى صوتها ملامح الخوف: "لاباس يا سي القصاص؟ أش صار؟ قول بربي؟ فجعتني عليك..." ودون أن يتركها تنهي كلامها اتلفت بسرعة يمينا وشمالا حتى يتأكد من عدم تواجد أي شخص آخر يجاورهما وقال لها "ها محرزية وخيتي.. تيم اهو خرجوني من الأوتيل اللي ساكنين فيهم، وقالولنا أنو مصطفى معادش يدفعلهم في الكراء متاع الشنابر. توة يعجبيك هكة؟ انا اللي جاي من طرف الدنيا باش نبات في الشارع؟ قولليهم بجاه حنانة يخلصوهم خليني نرجع دبشي مطيش في الشارع"؟
فانهدشت النائبة المتحجبة. وسقط جميع المشاهدين يجهشون بالبكاء.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire